الأربعاء، 19 نوفمبر، 2008

اهميه السلام على مستوى العالم

نيويورك – تنص نظرية "فوائد السلام" ببساطة على أنه في أوقات السلام، يمكن استخدام الميزانيات والموارد المخصصة عادة للدفاع للاستثمار داخلياً في الإسكان والتعليم وغيرها من المبادرات التي تحسّن المجتمع وتدفع الاقتصاد قدماً. بمعنى آخر، السلام على المدى البعيد أكثر ربحية من الحرب.

ولكن في عالم ما بعد الحرب الباردة انتشرت النزاعات الإقليمية والإرهاب الدولي وأثبت السلام أنه مفهوم مراوغ. نتيجة للفشل في صنع السلام حتى الآن في زماننا، تبقى المكاسب الاقتصادية الناتجة عن "فوائد السلام" نظرية إلى أبعد الحدود.

قد نكون بحاجة لاستغلال الأدوات الجديدة والنظر إلى صنع السلام من خلال عدسات جديدة حتى نستطيع بناء المجتمعات النابضة بالحياة والقابلة للبقاء والمستقرة والمزدهرة التي نتصورها لمستقبلنا. إفرض ولو للحظة أن الأعمال التجارية لا تستطيع انتظار السلام. إفرض أن بيع منتج وتحقيق ربح جيد يمكنه فعلاً أن يلعب دوراً مهماً في تشجيع السلام. من المعروف في الأعمال التجارية أن طرفين يستفيدان من مشروع مشترك يطوران مصالح متبادلة من خلال تنمية علاقات بينهما والحفاظ عليها. ماذا لو استطعنا قول الشيء نفسه عن مجموعات "الأعداء"؟

تلك هي الفكرة من وراء "أعمال السلام المساهمة المحدودة" وهي شركة عمرها ثلاثة عشر عاماً كانت رائدة في مجال نموذج أعمال واعية اجتماعياً، لا تقتصر على الربح فقط أثبتت أنه يمكن للسلام والربح المادي أن يعملا معاً يد بيد. للشركة رسالة فريدة: رعاية التعاون الاقتصادي والتعامل التجاري السلمي في مناطق النزاع من خلال تصنيع وتغليف وتوزيع منتجات الأطعمة الطبيعية، مع إدارة شركة نامية مربحة.

أسس دانيال لوبتزكي "أعمال السلام" عام 1994 عندما سافر إلى إسرائيل بعد تخرجه مباشرة من كلية القانون بجامعة ستانفورد. وقد سافر إلى إسرائيل لبحث إمكانات تشجيع مشاريع تجارية اقتصادية بين العرب والإسرائيليين. بعد أن تذوق أكلة من البندورة (الطماطم) المجففة تحت الشمس مع خليط الريحان، مصنوعة في إسرائيل، أتته تلك الفكرة.

ما هي اذن علاقة تلك الأكلة بالسلام؟ حولت "أعمال السلام" عملية تصنيع هذا المنتوج المحلي إلى عملية لحل النزاع. تعمل المنتجات مثل الطماطم المجففة تحت الشمس والريحان والزيتون على أسلوب مشروع تعاوني يربط الإسرائيليين بالعرب. وتستخدم مديتاليا، وهو اسم يقصد به إبراز المنطقة ذات التنوع والغنى الثقافي والتي يشترك بها كل من العرب واليهود، الزيتون من المزارعين الفلسطينيين والطماطم من تركيا والمرطبانات الزجاجية المصنوعة في مصر.

من خلال توفير مشروع ذي فائدة متبادلة لأناس فرّقتهم عن بعضهم بعضاً الجغرافيا وسياسة الحكومات المتعادية والحروب السابقة والخلافات الدينية العرقية، يرى المشاركون في منتجات هذه المشاريع أنفسهم مرتبطين ببعضهم بعضاً. فهم يستفيدون بأسلوب ملموس جداً من "الربح المادي" من تفاعلهم مع بعضهم بعضاً، ويتعلمون كذلك أن في مصلحتهم الحفاظ على وثاقة هذه العلاقات. لدى تطوير علاقات عمل مريحة ومفيدة بشكل متبادل تصبح عملية تفتيت الصور النمطية والخلافات أكثر سهولة. يبدأ الناس برؤية الترابط المتبادل بينهم.

نمت "أعمال السلام" من خلال شبكة توزيع تضم اليوم عشرة آلاف متجر في كافة أرجاء العالم، بشكل كبير وأبتت أن للأعمال التجارية دوراً تلعبه في جعل العالم مكاناً أفضل. وتقدم الشركة اليوم عدداً من المنتجات المختلفة تصنع كمشاريع مشتركة بين أفراد "أعداء". وإضافة إلى منتجات مديتاليا يتعاون البوذيون والمسيحيون والمسلمون في إندونيسيا لإنتاج بهارات بالي ضمن "أعمال السلام".

إضافة إلى ذلك تتبرع منتجات "أعمال السلام" الأخرى مثل "كن طبيعياً" وقطع "كايند" من الحلوى الصحية، رغم أنها لا تُصنع في مناطق نزاع، بخمسة بالمئة من أرباحها لمؤسسة لوبتزكي غير الربحية، ولمؤسسة أعمال السلام التي تعمل حركة صوت واحد التابعة لها نحو نهاية لا عنفية للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني من الأرضية إلى الأعلى.

بعد فشل أوسلو وظهور الانتفاضة الثانية، طبق لوبتزكي نفس الفكرة الابتكارية والتوجه العملي التي بدأ بها "أعمال السلام" لإطلاق "صوت واحد" وهي حركة على مستوى القاعدة تعمل على تمكين الغالبية المعتدلة من الإسرائيليين والفلسطينيين لاتخاذ دور أكثر جزماً وتأكيداً في حل النزاع.

لقد غيرت عولمة المنتجات والأسواق أسلوب العمل بشكل جذري في القرن الماضي. وبالمثل، حولت عولمة وتدويل النزاعات الإقليمية بشكل دينامي إطار حل النزاع. وتمثل "صوت واحد" من عدة نواحٍ مرآة اللاربحية لشركة "أعمال السلام" المساهمة، إذ تتركز جهودها على العمليات اليومية الملموسة المتعلقة بمشاركة الناس في تغيير الوضع السياسي من أجل الأفضل. وبوجود مكاتب ميدانية في كل من تل أبيب ورام الله وغزة عملت "صوت واحد" على إيجاد نموذج جديد للسياسة في المنطقة، متعالية عن صدوع "اليمين ضد اليسار" و"الإسرائيلي ضد الفلسطيني" لتكشف أنه بإمكان الغالبية المعتدلة أن تسود على البصيرة المطلقة للأقلية المتطرفة، التي كثيراً ما تنجح في إقصاء عملية السلام.

خلال سنوات خمس فقط تمكنت "صوت واحد" من تجنيد أكثر من 430،000 عضو على جانبي الخط الأخضر، وأشركت القيادات الإسرائيلية والفلسطينية والعالمية بنشاط في الانتباه لنداء شعوبها ليجلسوا ويتفاوضوا على حل. وفي كانون الثاني/يناير 2007 استضاف المنتدى الاقتصادي العالمي جلسة شاملة خاصة قدمت ناشطي "صوت واحد" ووفرت لهم منبراً ليتعهدوا بدعمهم لحل الدولتين أمام تزيبي ليفني وشمعون بيريز ومحمود عباس وكلاوس شواب مؤسس المنبر.

التقدم نحو السلام وخاصة في مناطق تسودها النزاعات المعقدة والمدوّلة، بطيء في أفضل حالاته، ولا ترشدنا الخطوات التي يجب اتخاذها إلى الطريق الأقل مقاومة. لقد ذهبت مجموعة أعمال السلام إلى أبعد الحدود في العمل على إثبات أن هناك دورا لعامة الناس، ومؤسسات الأعمال والمواطنين، يلعبونه في عملية جعل السلام ينجح.

‏ليست هناك تعليقات: